علي بن محمد الوليد
42
الذخيرة في الحقيقة
سعت لذلك وسعى ، وكان سبيلهما سبيل المنبعثين عن الابداع ، المتفاوتين في الدناءة والارتفاع ، فصارت الحياة تفعل في المحيط وتحركه والمحيط يفعل فيما سواه من الأفلاك ويدير أفلاكها فلكه ، وكانت الشمس للمحيط للحياة يسرى فيها ، ومنها قواه ، وهي مركزه ومأواه ، هو لها حياة محيية يفعل بها في الخلقة الجسمانية ، ويمد عالم الحس بوساطتها بالمواد الروحانية ، فلو لا توسط المحيط بين الحياة والشمس ، لما كان للحياة فعل ، مع لطفها وتجردها فيما يدرك بحاسة السمع والبصر والشم والذوق واللمس ، ولولا توسط الشمس بين المحيط والعالم لما نفذت حركته في شيء من الخلقة ، وكيف ينفذ في شيء لم يوافقه ولا لأم فكانت هذه الحياة عند الوهلة الأولة عاقلة لذاتها ، كاملة من الحياة والقدرة في جميع حالاتها ، فكانت الشمس قلبا لعالم الأجرام والمحيط لها ، كالحياة الممدة للقلب بالافضال التام ، والحياة للمحيط كالنفس الممدة التي في القلب بالكمال والتمام ، فالأفلاك لعالم الكون والفساد حياة ، وطبيعة خامسة بما اتصل بها من المحيط ، والمحيط حياة للأفلاك وطبيعة خامسة ، بما اتصل به من الحياة التي مسراها ، من عالم القدس البسيط ، وكرة الأثير طبيعة خامسة لعالم الكون والفساد لقربه من فلك القمر ، ودنوه إليه ، ودوام حركته عليه ، فلما كان منهم من الخطيئة ما كان ، وبان للعاشر من عمدهم وقصدهم للمناكرة والمكابرة ، ما بان ، قال لهم « اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ، وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ « 1 » » ، وعرفهم أن لا خلاص لهم الا بتوحيد رب العالمين ، وولاية حدوده الميامين ، وتلك هي الخميرة المذخورة فيهم ، والسابقة التي تسوقهم إلى طريق الخير وتهديهم ، ولم يخاطب بهذا الخطاب الا من كان عنده بعض ندم وصواب ، وأما أهل الاستكبار ففي الدرك الأسفل من النار ، لا خلاص لهم الا على طول الأدوار والاكوار ، وكان أصفاهم الحياة السابق ذكرها ، والمحيط الذي
--> ( 1 ) سورة الأعراف .